الردّ على مقال «الطائفة المدجنة» في السيرة الذاتية لأبي عمر الباحث

أبو عمر الباحث 15 سبتمبر 2026 73 قراءة 13 دقائق قراءة
الردّ على مقال «الطائفة المدجنة» في السيرة الذاتية لأبي عمر الباحث

نشر موقع «الطائفة المدجنة» مقالاً في التعريف بأبي عمر الباحث، ظاهره الترجمة وباطنه الطعن. وهذا تفنيدٌ له فِريةً فِرية، بالنقل والدليل، ومن كلام كاتبه نفسه.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه وبعد.

فقد نشر موقعٌ يسمّي نفسه «موقع الطائفة المدجنة» مقالاً بتاريخ 19 من أبريل 2025م بعنوان: «من هو أبو عمر الباحث، السيرة الذاتية»، أخرجه في صورة الترجمة والتعريف، وأضمره طعنًا وتنقّصًاً وكذبًا وافتراءًا وتقويلًا بما لم يُقَل!

وقد رأينا أن نجيب عنه، لا انتصاراً لنفسٍ ولا مدافعةً عن مقام، فليس في الرجل ما يُدَّعى له من عصمة، ولكن لأن الكذب إذا تُرك في الشبكة سُكوتاً عنه صار عند الناس خبراً، ثم صار بعد حينٍ مصدراً يُنقل عنه. وهذه سنّة الباطل: يبدأ همساً في مقال، ثم يُصبح نقلاً في مقالٍ آخر، ثم يُحتجّ به على أنه من المسلّمات.

ومنهجنا في هذا الرد هو منهجنا في كل ردودنا: نضع دعوى الخصم بنصّها، ثم نزنها بالدليل، ثم ننظر: أقامت على ساقٍ أم خرّت؟ ولا نُلزم القارئ بتصديقنا، بل نضع بين يديه ما يحكم به بنفسه.

أوّلاً: في جنس المقال — الطعن متقمّصاً ثوب المدح

أوّل ما ينبغي أن يعرفه القارئ أن هذا المقال ليس ترجمةً ولا سيرةً ذاتية، وإن سمّاه كاتبه كذلك. وإنما هو نوعٌ من الطعن يُسمّيه أهل البيان: الذمّ في صورة المدح. فالكاتب يتقمّص شخصيةً موافقة، ويقول «شيخنا» و«الشيخ الجليل»، ثم يدسّ في ثنايا الثناء ما يُسقِط الرجل عند القارئ.

وهذا اللون من الكتابة أخبث من السبّ الصريح، لأن السبّ الصريح يُنبّه القارئ فيحترس، وأما هذا فيمرّ على القلب وهو غافل، فيخرج القارئ وقد استقرّ عنده أن الرجل: أشعريُّ المنهج، قليل الحفظ، ضعيف التلقّي، مدفوعٌ بالحقد، يعيش من أرباح قناته، وله «مشاريع سرّية»، وليس هو مؤسّس مشروعه أصلاً. كل ذلك في مقالٍ لا يتجاوز بضع مئاتٍ من الكلمات، عنوانه «التعريف»!

وقد جرت عادة هذا التيار أن يخترع للمخالف لقباً ينبزه به — و«المدجَّن» من ذلك — ثم يبني عليه أحكاماً، فيُلحق الرجل بطائفةٍ لم ينتسب إليها قطّ، ولم يقل بقولها، ولا يعرفها إلا من هذا النبز.

ثانياً: قاعدةٌ في وزن الخبر قبل النظر في تفصيله

تأمّل المقال من أوّله إلى آخره، ثم اسأل: أين الدليل؟

ليس فيه إسنادٌ واحد، ولا اسم كتاب، ولا رقم صفحة، ولا رابط حلقة، ولا مقطعٌ مصوَّر، ولا شهادة معاصرٍ مسمّى، ولا نقلٌ عن الرجل نفسه بلفظه. مجرّد دعاوى مرسلة تُلقى إلقاءً، ثم يُطالَب القارئ بتلقّيها بالقبول.

وهذه مفارقةٌ لطيفة: فالرجل الذي يُطعَن فيه بُني مشروعه كلّه على نقيض هذا تماماً — على عرض غلاف الكتاب، وبيانات الطبعة، ورقم الصفحة، وتظليل موضع الشاهد، وقراءة ما قبل النصّ وما بعده. فمن أراد أن يردّ عليه فليأتِ بمثل سلاحه، لا أن يجيء بالدعوى المجرّدة إلى رجلٍ جعل الوثيقة صنعته.

وقديماً قالوا: «لو تُرك الناس ودعاويهم لادّعى رجالٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن البيّنة على المدّعي». فهذه أوّل ما يُقال لكاتب المقال: هات بيّنتك، وإلا فدعواك ساقطة قبل أن نُجيب عنها.

ثم إنّا — تفضّلاً لا وجوباً — ننزل معه إلى التفصيل.

ثالثاً: تفنيد الفِرى فِريةً فِرية

الفِرية الأولى: أنه «من الطائفة المدجنة» و«يدافع عن علماء الأشعرية»

قال الكاتب: «أحد الشخصيات البارزة في الطائفة المدجنة، متخصص في مجال الرد على الشبهات والدفاع عن علماء الأشعرية».

وهذه أمّ فِرى المقال، وعليها بُني سائره. والجواب عنها من وجوه:

الوجه الأول: أن أبا عمر الباحث سلفيُّ الاعتقاد، يُثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل. وهذا معلومٌ من عامّة مادّته المنشورة، لا يحتاج إلى إثبات، ويكفي في ردّ الدعوى أن يُرجع إلى حلقاته في باب الصفات.

الوجه الثاني: أن الكاتب خلط — عمداً — بين «الدفاع عن الأشاعرة» و«العدل مع أئمة الإسلام». وبينهما ما بين المشرق والمغرب. فالذي وقع من أبي عمر إنما هو الذبّ عن أئمةٍ كالإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله، حين تصدّى قومٌ لإسقاط إمامتهم، وإخراجهم من دائرة أهل السنة، والتحذير من كتبهم، بمسلك التبديع باللازم، وبتر النصوص، واصطياد الزلّات.

والدفاع عن إمامٍ من أئمة الإسلام في وجه من يُكفّره أو يُخرجه من السنة ليس تبنّياً لما أخطأ فيه، ولا انتساباً إلى مذهبه في الصفات. هذا هو العدل الذي أُمرنا به: ﴿ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ومن سوّى بين إنكار الخطأ وبين هدم صاحبه فقد جهل باب الموازنة الذي قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وغيرهما.

الوجه الثالث — وهو القاصم: أن أبا عمر الباحث يردّ على الأشاعرة أنفسهم إذا جاؤوا بالباطل. ومن ذلك ردّه على الشيخ الأشعري علي جمعة حين تطاول على الإمام عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله — وهو إمامٌ من أئمة السنة، ومن أظهر من ردّ على الجهمية والمعطّلة، وكتابه في الردّ عليهم من معاقد هذا الباب.

فليُجِبنا الكاتب: أيّ «مدافعٍ عن علماء الأشعرية» ينبري للردّ على علي جمعة، ذَبّاً عن عثمان الدارمي؟! إن الدعوى ينقضها فعل الرجل نفسه، وهذا وحده كافٍ في إسقاطها.

الفِرية الثانية: أنه «درس على المنهج الأشعري... وتدجّن فيها»

قال الكاتب: «درس علوم اللغة العربية وأصول الشريعة على المنهج الأشعري في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وتدجّن فيها».

وتأمّل صنيعه: أخذ أمراً صحيحاً — وهو الدراسة في دار العلوم — ثم حشا فيه كلمتين من عنده: «على المنهج الأشعري» و«تدجّن فيها». فصار الخبر الصحيح وعاءً للكذب. وهذه من أدقّ حِيَل التلبيس: أن يُغلَّف الباطل بصحيحٍ حتى يمرّ معه.

والحقيقة أن تلقّي أبي عمر الباحث للاعتقاد لم يكن في دار العلوم، ولا على منهج المتكلّمين، وإنما:

  • درس عقيدة أهل السنة على منهج السلف الصالح في معهد العزيز بالله بالقاهرة — حي الزيتون.
  • وتربّى على كتب السلف في الاعتقاد: «السنة» لعبد الله بن أحمد بن حنبل، و«السنة» للخلّال، و«السنة» لحرب الكرماني، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للإمام اللالكائي. ومن هذه الكتب — لا من كتب المتكلّمين — يستقي عقيدته.
  • وحضر من مجالس أهل السنة ما هو معروف، منها مجالس من شرح صحيح البخاري للشيخ أبي حفص سامي العربي.
  • ودرس في معهد ابن الجزري للقرآن والقراءات، ثم في معهد إعداد الدعاة، وجلس في بداياته إلى عددٍ من شيوخ الدعوة السلفية بمصر.
  • وغاص في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، وتشرّب منهج أهل الحديث في النقد والاستدلال.

فأين «المنهج الأشعري» من هذا كلّه؟ إنها كلمةٌ أُقحمت إقحاماً، لا سندَ لها إلا هوى كاتبها.

الفِرية الثالثة: الطعن في حفظه للقرآن

قال الكاتب متهكّماً: «يحفظ الأربعين النووية، وجزء عمّ، وجزء تبارك، وشيءٌ من سورة البقرة».

وهذه الفِرية لا تحتاج منّا جواباً، لأن كاتبها نقضها بيده في السطر الذي قبلها! فقد أثبت في المقال نفسه أن الرجل: «حصل على إجازة في قراءة القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم من معهد ابن الجزري».

ومعلومٌ عند كل من شمّ رائحة هذا الفنّ أن الإجازة بالسند لا تُمنح إلا بعد ختم القرآن كاملاً على الشيخ، حفظاً وتلاوةً مضبوطة بأحكامها، حتى يشهد له الشيخ بالإتقان ويوصله بسنده. فمن أين يُجمع بين رجلٍ مُجازٍ برواية حفص عن عاصم، وبين رجلٍ لا يحفظ إلا جزأين وشيئاً من البقرة؟!

هذا هو الذي يُقال فيه: شهد شاهدٌ من أهلها. وحسبك بمقالٍ يُكذّب أوّلُه آخرَه.

ثم تأمّل موضعاً آخر من خبثه: أنه اختار «الأربعين النووية» بعينها ليجعلها مثاراً للتنقّص، إمعاناً في الغمز بنسبته إلى الإمام النووي. فصار التهكّم واقعاً على متنٍ يحفظه صبيان المسلمين ويتدارسه طلبة العلم في كل مصر! فهل بلغ الأمر أن يُعيَّر المسلم بحفظ أربعين حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ؟

الفِرية الرابعة: تهوين تلقّيه بقوله «حضر خطب الجمعة عند عدد من العلماء»

ساق الكاتب هذه العبارة في سياق «المؤهلات العلمية»، ومراده ظاهر: أن يُوهم القارئ أن حصيلة الرجل من التلقّي لا تعدو سماع خطبةٍ عابرة.

وهذا من التلبيس، إذ التلقّي الذي عليه أبو عمر يجمع ثلاثة روافد قد سبق بيانها: الأخذ عن الشيوخ في المعاهد والمجالس، والطلب الذاتي الواسع في المصادر، والتكوين الميداني الذي صنعته المناظرة ومواجهة الخصوم مواجهةً مباشرة.

ثم إن ثمرة التلقّي تُعرف بأثرها لا بدعواها. فهذا رجلٌ قرأ الكتاب المقدّس بعهديه وتفاسيره المعتمدة وتاريخ مجامعه ومخطوطاته، ورجع إلى العبرية واليونانية وقواميسهما؛ وغاص في أمّهات مصادر الإمامية: «الكافي» و«بحار الأنوار» و«تفسير القمي» وكتب المفيد والطوسي، فتتبّع أسانيدها ومتونها وتناقضاتها؛ واشتغل بعلم الحديث ومصطلحه والجرح والتعديل والتخريج ومعرفة الرجال والعلل ونقد الأسانيد والمتون.

فهل هذه حصيلةُ من «حضر خطب الجمعة»؟! ليَرِد الكاتب حلبة واحدةً من حلباته، ثم ليحكم الناس.

الفِرية الخامسة: الحكم على نيّته بأنها «الحقد»

قال الكاتب: «تعرّض لمحاولة تنصير في أوّل حياته، فحمله الحقد على هؤلاء المنصّرين إلى الردّ عليهم، ولكن بعد ذلك صارت نيّته خالصة لله».

فانظر كيف جعل الباعث الأوّل «الحقد»، ثم زعم أنه هو العليم بما صارت إليه النيّة بعد ذلك! فتولّى الحكم على قلب رجلٍ في حالين: قبلُ وبعدُ، وهو لا يملك من أمر قلبه هو شيئاً.

وهذا من أقبح ما في المقال، لأنه تعدٍّ على بابٍ لا يلجه إلا الله تعالى. وقد أنكر النبي ﷺ على أسامة بن زيد رضي الله عنه حين قتل من قال «لا إله إلا الله»، فقال أسامة: إنما قالها متعوّذاً. فقال ﷺ: «أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أَقالها أم لا؟». فإذا كان هذا في رجلٍ قالها في ساعة السيف، فكيف بمن أفنى عمره في الذبّ عن دين الله؟

ثم إن الحقيقة التي نقلها الرجل عن نفسه في غير ما لقاء: أن بداية الطريق كانت محاولة تنصيرٍ منظّمة تعرّض لها، فحملته الغيرة على دين الله والشفقة على عوامّ المسلمين الذين تُلقى عليهم الشبهة فلا يجدون جواباً. ومن قرأ قصّته مع ذلك المنصّر الذي كان يطوف على الورش والصنايعية في «عزبة شلبي» يشكّكهم في القرآن، وكيف جلس إليه وكشف بتره واقتطاعه أمام الناس — علم أن الباعث كان حماية البسطاء، لا ما زعمه الكاتب.

وليُعلم أن كون البغض في الله للطاعنين في دينه وسيلةً من وسائل الإيمان ليس عيباً يُعاب به المسلم، بل هو من عرى الإيمان الوثقى. فحتى لو صحّ ما زعمه — وهو لم يصحّ — لكان ما سمّاه «حقداً» بغضاً في الله لمن تنقّص رسوله ﷺ وكتابه.

الفِرية السادسة: نفيُ كونه مؤسّس «مكافح الشبهات»

قال الكاتب: «لم يكن الشيخ هو المؤسّس المباشر للقناة، بل بدأت الفكرة مع الأخ أبو مريم».

وهذه — كسابقتها — يُكذّبها المقال نفسه، فقد قال الكاتب قبلها بأسطر: «ثم أسّس قناة مكافح الشبهات»! فأثبت التأسيس ثم نفاه، في فقرةٍ واحدة. وهكذا من بنى كلامه على الهوى: يتناقض من حيث لا يشعر.

والمعلوم المستفيض أن «مكافح الشبهات» مشروع أبي عمر الباحث، بدأه بجهدٍ فرديٍّ خالص، لا تدعمه مؤسسة ولا تموّله جهة، ثم اتّسع حتى صار موقعاً ومدوّنة وقنوات مرئية وحسابات ومقالات ومواد مفهرسة وتفريغات وكتباً، وشبكةً يعمل فيها فريقٌ من المتطوّعين. وتجاوزت قناته في مرحلةٍ من مراحلها ثمانمئة ألف مشترك ومئة مليون مشاهدة، سوى ما فُقد منها بحملات التبليغ المنظَّمة التي اشترك فيها النصارى والروافض والعلمانيون — ومعهم، للأسف، من ينتسب إلى السنة.

ثم إن سنّة العمل الجماعي أن يُعين الرجلَ إخوانُه، فلا يُنكَر أن يكون في البدايات من أعان أو أشار أو شارك — وهذا فضلٌ لهم يُذكر فيُشكر. ولكن نسبة المشروع إلى مؤسّسه الذي حمله ثماني عشرة سنة، وبَنَى مادّته، وخاض معاركه، وتحمّل تبعاته، أمرٌ لا يُنازَع فيه إلا مكابر.

الفِرية السابعة: تقويله التكفير بما لم يقل

قال الكاتب: «ثم حوّلها للردّ على الذين يطعنون بالأئمة الأشاعرة مثل الكافر محمد بن شمس الدين...».

فتأمّل الصنعة: أقحم لفظ «الكافر» داخل جملةٍ يحكي بها عن أبي عمر، وهو يتكلّم بلسان المتقمّص، ليخرج القارئ وقد استقرّ عنده أن هذا حكم أبي عمر على الرجل.

وهذا تقويلٌ محض. فإن الذي وقع من أبي عمر إنما هو الردّ العلمي على مسلك هذا التيار في التبديع باللازم، وبتر النصوص، واصطياد الزلّات، وإسقاط أئمة الإسلام. ومن أوضح ذلك ما بيّنه في دعواهم أن الإمام النووي بتر أحاديث الصفات من «رياض الصالحين»، فأثبت من بطون كتب النووي نفسه — كـ«شرح صحيح مسلم» — أنه أوردها كاملةً ولم يبترها، وأن صنيعه في «رياض الصالحين» إنما هو اختصارٌ يقتضيه موضوع الكتاب السلوكي.

هذا هو الردّ: بالنصّ والمقابلة والإحالة إلى مصنَّفات الرجل نفسه. فأين منه إطلاق لفظ التكفير الذي ألصقه الكاتب؟ وباب التكفير بابٌ عظيم، له أهله وشروطه وموانعه، ولا يُلقى على ألسنة الناس إلقاء، ولا يُنسب إلى أحدٍ إلا بنقلٍ صريح عنه بلفظه. فليأتِ الكاتب بالمقطع واللفظ والتاريخ، وإلا فهو من الذين قال الله فيهم: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾.

الفِرية الثامنة: الطعن في مصدر رزقه

قال الكاتب: «يعيش هو وأسرته في تركيا من خلال أرباحها».

وهذه الجملة لم تُكتب للإخبار، بل كُتبت لغرضين: الغمز في أن الرجل إنما يشتغل بهذا الباب طلباً للمال، والغمز في أنه ترك بلده. وكلاهما من الطعن الذي لا يُسمن ولا يُغني من حقّ.

ويُقال في جوابها:

أوّلاً: أين البيّنة؟ هذا خبرٌ عن مسكن رجلٍ ومصدر رزقه وحال أهله، وهذه من خاصّة شؤونه التي لا يحلّ الخوض فيها بغير علم. فأين المستند؟ لا شيء البتّة. ومن أخبر عن غيره بما لا يعلم فقد دخل في قوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾.

ثانياً: أن المشروع بدأ بجهدٍ فرديٍّ خالص، لا تدعمه مؤسسات ولا تموّلات، في زمنٍ لم يكن في هذا الباب مغنمٌ يُرتجى، بل كان فيه من العداوات والتبليغات وحذف القنوات ما يعرفه كل متابع. فمن أراد المال لم يختر هذا الميدان.

ثالثاً: أنّ اكتساب المرء من عمله المباح حلالٌ لا غضاضة فيه، وليس في الشرع ما يوجب على الداعية أن يجوع ليَصْدُق. وقد كان من الأنبياء من يرعى الغنم، ومن الصحابة من يتّجر في السوق، ومن الأئمة من يبيع الثياب ويأكل من كسب يده. فلو ثبت أن لرجلٍ دخلاً من عمله لم يكن ذلك جرحاً فيه ولا في علمه، وإنما الجرح في الكذب والبتر وخيانة النقل — وهي صنعة الكاتب لا صنعة المكتوب عنه.

الفِرية التاسعة: الإيماء إلى «مشاريع سرّية»

ختم الكاتب بقوله: «يواصل الشيخ العمل على مشاريع أخرى لخدمة الإسلام، لكنها سرّية».

وهذه كلمةٌ تُرمى ليتلقّفها القارئ بما شاء له وهمه. فليس لها معنًى إلا التخويف والإيهام بأن وراء الرجل ما يُخفيه. وهي في ميزان النقد لا شيء: لا مدلولَ لها يُناقَش، ولا بيّنةَ عليها تُوزن.

ومشروع أبي عمر الباحث كلّه معلنٌ منشور: قناةٌ بمئات الحلقات، وموقعٌ ومدوّنة، ومقالاتٌ وتفريغات، ومناظراتٌ مسجَّلة، وكتابٌ مطبوع هو «عدنان إبراهيم في ميزان البحث العلمي». فأيّ سرٍّ في رجلٍ حياته كلّها على الشاشة؟

رابعاً: ولماذا كُتب هذا المقال أصلاً؟

لم يُكتب هذا المقال في فراغ. فمن تأمّل توقيته وموضوعه أدرك سببه: أن أبا عمر الباحث وقف في وجه تيّار الغلوّ في التبديع والإسقاط، ورَدّ على من تصدّى لإخراج أئمة الإسلام — كالإمام أبي حنيفة، والإمام النووي، والحافظ ابن حجر، والإمام السيوطي — من دائرة أهل السنة، والتحذير من كتبهم، بمنهج التبديع باللازم وبتر النصوص واصطياد الزلّات.

ولما لم يجد القوم جواباً علمياً عن حججه، عدلوا إلى ما يعدل إليه العاجز دائماً: الطعن في الشخص بدل مناقشة الحجّة. فاخترعوا له لقباً، ونسبوه إلى طائفةٍ لا وجود لها إلا في أدبياتهم، وغمزوا في حفظه وتلقّيه ونيّته ورزقه.

وهذا في الحقيقة شهادةٌ له لا عليه. فإن الرجل لو كان مغموراً لَما استحقّ عندهم مقالاً، ولو كانت حججه هيّنةً لَردّوا عليها بحجّة. وإنما يُرمى الشجر المثمر.

ونحن نقول لهم ما ينبغي أن يُقال: هلمّوا إلى الحجّة. أجيبوا عن مسألة «رياض الصالحين»، وعن نصوص ابن تيمية والذهبي وابن العطّار في حفظ مقامات العلماء، وعن قاعدة الموازنة بين الحسنات والسيّئات عند أهل السنة. فإن عجزتم — وقد عجزتم — فاعلموا أن الطعن في الرجال ليس جواباً عن الأدلّة، وأن التاريخ لم يحفظ لأحدٍ نبزاً قطّ، وإنما يحفظ الحجّة.

الخاتمة

هذا مقالٌ لم يُقم كاتبه على دعوى واحدةٍ من دعاواه دليلاً، وناقض نفسه في موضعين ظاهرين: أثبت الإجازة في القرآن ثم طعن في الحفظ، وأثبت التأسيس ثم نفاه. ومن كان هذا حاله في مقالٍ قصير، فما ظنّك به فيما هو أطول؟

ولسنا ندّعي لأبي عمر الباحث عصمةً، ولا نُنزّهه عن الخطأ، فما من أحدٍ إلا ويُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ. وقد أُخذ عليه شدّة العبارة في مواضع، وهذا مبحثٌ يُناقَش بأدبه وإنصافه. ولكنّ فرقاً بين نقدٍ يقوم على دليل، وبين إفكٍ يقوم على الهوى.

فمن كان عنده على أبي عمر الباحث مأخذٌ فليأتِ به مسنداً: الحلقة، والدقيقة، واللفظ، والسياق. فهذا هو ميدانه الذي يُحسنه ويدعو إليه. وأما الدعاوى المرسلة فقد قال الله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.

﴿بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾